الأحد، 12 يوليو، 2015

بحث السيد الخوئي اعتبار وحدة الأفق في اثبات الهلال

بحث السيد الخوئي (قدس سره) في مناقشة اعتبار وحدة الأفق او عدمه في اثبات الهلال

[2515] مسألة 4: إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده: فإن كانا متقاربين كفى (1)، وإلّا فلا (2)، إلّا إذا علم توافق اُفقهما وإن كانا متباعدين.

----------

نص بحث السيد الخوئي (قدس سره):

[1] لا تبعد الكفاية في البلدان التي تشترك في الليل ولو في مقدار، ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية. 

(2) لا إشكال في عدم اعتبار كون الرؤية في نفس البلد، بل يكتفى برؤية الهلال في خارجه بمقتضى إطلاق الأدلّة، بل التصريح في بعضها بقبول الشهادة من الشاهدين اللذين يدخلان المصر ويخرجان. 
كما لا إشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متّحداً في الأُفق مع هذا البلد وإن لم يَرَ الهلال فيه، للملازمة بينهما كما هو ظاهر، فلا خصوصيّة لهذا البلد بعد ثبوت الهلال في بلد آخر متّحد معه في الأُفق. 
كما لا إشكال أيضاً في كفاية الرؤية في بلد آخر وإن اختلفا في الأُفق فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزماً للثبوت هنا بالأولويّة القطعيّة، كما لو كان ذاك البلد شرقيّاً بالإضافة إلى هذا البلد كبلاد الهند بالإضافة إلى العراق، إذ لا يمكن رؤية الهلال هناك من دون قبوله للرؤية هنا، مع أنّه متقدّم وسابق عليها، والرؤية ثمّة متفرّعة على الرؤية هنا، فالثبوت هناك مستلزم للثبوت هنا بطريق أولى، فالبيّنة القائمة على الأوّل تخبر بالالتزام عن الثاني. وهذا كلّه ظاهر. 
إنّما الكلام في عكس ذلك، أعني: ما لو اختلف الأُفق وشوهد الهلال في البلاد الغربيّة، فهل يكفي ذلك للشرقيّة كبلاد الشام بالإضافة إلى العراق، أو لا؟ 
المعروف والمشهور هو الثاني، حيث ذهبوا إلى القول باعتبار اتّحاد الأُفق. وذهب جمع من المحقّقين إلى الأوّل وأنّ الثبوت في قطر كافٍ لجميع الأقطار،
منهم العلاّمة في المنتهي وصاحب الوافي والحدائق والمستند والسيّد الخونساري وغيرهم، ومال إليه في الجواهر، واحتمله الشهيد في الدروس. 

و هذا القول هو الصحيح، إذ لا نرى أيّ وجه لاعتبار الاتّحاد عدا قياس حدوث الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع بأوقات الصلوات أعني: شروق الشمس وغروبها فكما أنّها تختلف باختلاف الآفاق وتفاوت البلدان بل منصوص عليه في بعض الأخبار بقوله (عليه السلام): «إنّما عليك مشرقك ومغربك» إلخ فكذا الهلال. 
و لكنّه تخيّل فاسد وبمراحل عن الواقع، بل لعلّ خلافه ممّا لا إشكال فيه بين أهل الخبرة وإن كان هو مستند المشهور في ذهابهم إلى اعتبار الاتّحاد، فلا علاقة ولا ارتباط بين شروق الشمس وغروبها، وبين سير القمر بوجه. 
و ذلك لأنّ الأرض بمقتضى كرؤيّتها يكون النصف منها مواجهاً للشمس دائماً والنصف الآخر غير مواجه كذلك، ويعبّر عن الأوّل في علم الهيئة بقوس النهار، وعن الثاني بقوس الليل، وهذان القوسان في حركةٍ وانتقال دائماً حسب حركة الشمس أو حركة الأرض حول نفسها، على الخلاف في ذلك، وإن كان الصحيح بل المقطوع به في هذه الأعصار هو الثاني. 
و كيفما كان، فيتشكّل من هاتيك الحركة حالات متبادلة من شروق وغروب، ونصف النهار ونصف الليل، وبين الطلوعين وما بين هذه الأُمور من الأوقات المتفاوتة. 
وهذه الحالات المختلفة منتشرة في أقطار الأرض ومتشقّة في بقاعها دائماً، ففي كلّ آن يتحقّق شروق في نقطة من الأرض وغروب في نقطة اُخرى مقابلة لها، وذلك لأجل أنّ هذه الحالات إنّما تنتزع من كيفيّة اتّجاه الكرة الأرضيّة مع الشمس التي عرفت أنّها لا تزال في تبدّل وانتقال، فهي نسبة قائمة بين الأرض والشمس. 
و هذا بخلاف الهلال، فإنّه إنّما يتولّد ويتكوّن من كيفيّة نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الأرضيّة في ذلك بوجه، بحيث لو فرضنا خلوّ الفضاء عنها رأساً لكان القمر متشكّلاً بشتّى أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكس كما نشاهدها الآن. 
وتوضيحه: أنّ القمر في نفسه جرم مظلم وإنّما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فالنصف منه مستنير دائماً، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير أنّ النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام، بل يختلف زيادةً ونقصاً حسب اختلاف سير القمر. 
فإنّه لدى طلوعه عن الأُفق من نقطة المشرق مقارناً لغروب الشمس بفاصلٍ يسير في الليلة الرابعة عشرة من كلّ شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تامّاً يكون تمام النصف منه المتّجه نحو الغرب مستنيراً حينئذٍ، لمواجهته الكاملة مع النير الأعظم، كما أنّ النصف الآخر المتّجه نحو الشرق مظلم. 
ثمّ إنّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة، وتقلّ سعته شيئاً فشيئاً حسب اختلاف سير القمر إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجهاً للشمس، ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم، وهذا هو الذي يعبَّر عنه بتحت الشعاع والمحاق، فلا يُرى منه أيّ جزء، لأنّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلّاً كما في الليلة الرابعة عشرة، ولا بعضاً كما في الليالي السابقة عليها أو اللاحقة. 
ثمّ بعدئذٍ يخرج شيئاً فشيئاً عن تحت الشعاع، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويُرى بصورة هلال ضعيف، وهذا هو معنى تكوّن الهلال وتولّده، فمتى كان جزء منه قابلاً للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئيّة فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدءاً لشهر قمري جديد. 
إذن فتكوّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى أمر واقعي وحداني لا يختلف فيه بلد عن بلد، ولا صقع عن صقع، لأنّه كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونيّة في جوّ الفضاء. 
و على هذا فيكون حدوثها بدايةً لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها وإن لم يُر الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي، من شعاع الشمس، أو حيلولة الجبال، وما أشبه ذلك. 
أجل، إنّ هذا إنّما يتّجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحلّ الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه، بأن تكون ليلة واحدة ليلة لهما. وإن كانت أوّل ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر المنطبق طبعاً على النصف من الكرة الأرضيّة دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عند ما تغرب عندنا، بداهة أنّ الآن نهار عندهم، فلا معنى للحكم بأنّه أوّل ليلة من الشهر بالنسبة إليهم.  
و لعلّة إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله: 
(رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ).
باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين لكل منهما مشرق ومغرب، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس. فمن ثمّ كان لها مشرقان ومغربان. 
و الشاهد على ذلك قوله سبحانه:
(يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ).
الظاهر في أنّ هذا أكثر بعد وأطول مسافة بين نقطتي الأرض، إحداهما مشرق لهذا النصف، والأُخرى مشرق النصف الآخر. 
و عليه، فإذا كان الهلال قابلاً للرؤية في أحد النصفين حكم بأنّ هذه الليلة أوّل الشهر بالإضافة إلى سكنة هذا النصف المشتركين في أنّ هذه الليلة ليلة لهم وإن اختلفوا من حيث مبدأ الليلة ومنتهاها حسب اختلاف مناطق هذا النصف قرباً وبعداً، طولاً وعرضاً، فلا تفترق بلاد هذا النصف من حيث الاتّفاق في الأُفق والاختلاف في هذا الحكم، لما عرفت من أنّ الهلال يتولّد أي يخرج القمر من تحت الشعاع مرّة واحدة. 
إذن فبالنسبة إلى الحالة الكونيّة وملاحظة واقع الأمر الفرق بين أوقات الصلوات ومسألة الهلال في غاية الوضوح حسبما عرفت. 
هذا ما تقتضيه نفس الحالة الكونيّة. 

وأمّا بالنظر إلى الروايات فيستفاد منها أيضاً أنّ الأمر كذلك وأنّ الثبوت الشرعي للهلال في قطرٍ كافٍ لجميع الأقطار وإن اختلفت آفاقها. 
و تدلّنا عليه:
أوّلاً: إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان أو شوّال وأنّه في الأوّل يقضى يوماً لو أفطر، فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتّحد معه في الأُفق أو المختلف. 
و دعوى الانصراف إلى أهل البلد. 
كما ترى، سيّما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر ويخرجان كما تقدّم، فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها. 
وثانياً: النصوص الخاصّة: منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام): أنّه قال فيمَن صام تسعة وعشرين«قال: إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصرٍ أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً». 
دلّت بمقتضى إطلاقها بوضوح على أنّ الرؤية في مصرٍ كافية لسائر الأمصار وإن لم يُرَ فيها الهلال من غير غيم أو أيّ مانع آخر، ولم يقيّد فيها بوحدة الأُفق مع أنّ آفاق البلاد تختلف جدّاً حتّى في الممالك الصغيرة كالعراق، فإنّ شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف اختلافاً فاحشاً، فعدم التقييد والحالة هذه وهو(عليه السلام) في مقام البيان يكشف طبعاً عن الإطلاق. 
ومنها: صحيحة عبد الرّحمََن بن أبي عبد اللََّه، قال: سألت أبا عبد اللََّه(عليه السلام)عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان«قال: لا تصم إلّا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه». 
دلّت على كفاية الرؤية في بلدٍ آخر، سواه اتّحد أُفقه مع البلد أم اختلف، بمقتضى الإطلاق. 
ومنها: صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللََّه(عليه السلام)عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان«فقال: لا تصمه إلّا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه». 
وهي في الدلالة كسابقتها. 
و أوضح من الجميع صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللََّه (عليه السلام): أنّه سُئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان «فقال: لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر. وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلّا أن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه». 
فإنّ في قوله(عليه السلام): «جميع أهل الصلاة» دلالة واضحة على عدم اختصاص رأس الشهر القمري ببلد دون بلد، وإنّما هو حكم وحداني عامّ لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف الآفاق واتّحادها، فمتى قامت البيّنة على الرؤية من أيّ قطر من أقطار هذا المجموع المركّب وهم كافّة أهل الصلاة كفى. 
كما أنّ قوله (عليه السلام) في الذيل: «يقضي أهل الأمصار» مؤكّد لهذا المعنى، وأنّه لا يختلف مصر عن مصر في هذا الحكم، بل هو عامّ لجميع الأقطار والأمصار، وشامل لجميع بقاع الأرض بمختلف آفاقها. 
إذن فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتّحاد الأُفق، ولا نرى أيّ مقتضٍ لحملها على ذلك، إذ لم يُذكَر أيّ وجه لهذا التقييد، عدا قياس أمر الهلال بأوقات الصلوات، الذي عرفت ضعفه وأنّه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه. 
و يؤكّده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله (عليه السلام): «أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً» فإنّه يُعلم منه بوضوح أنّ يوماً واحداً شخصيّاً يشار إليه بكلمة: «هذا» هو عيدٌ لجميع المسلمين المتشتّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها، لا لخصوص بلد دون آخر. 
و هكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وأنّها خير من ألف شهر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، فإنّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معيّنة ذات أحكام خاصّة لكافّة الناس وجميع أهل العالم، لا أنّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة أُخرى من بقاع الأرض. 
إذن فما ذهب إليه جملة من الأعاظم من عدم الاعتبار بوحدة الأُفق هو الأوفق بالاعتبار والرأي السديد الحقيق بالقبول حسبما عرفت. 

تنبيه: غير خفي أنّ للقمر على ما ذكره القدماء من الهيئويّين حركتين: حركة في كلّ أربع وعشرين ساعة لها مشرق ومغرب، وحركة أُخرى في تلك الدائرة يدور فيها حول الأرض من المغرب إلى المشرق في كلّ شهر مرّة واحدة، فيختلف مكانه في كلّ يوم عن مكانه في اليوم الآخر. 
و من ثمّ قد يتّفق مع الشمس طلوعاً وغروباً وقد يختلف، فمع الاتّفاق المعبَّر عنه بالمحاق وتحت الشعاع وهو طبعاً في آخر الشهر بما أنّ النصف المستنير فيه بكامله نحو الشمرق ومواجه للشمس لم يُرَ منه أيّ جزء بتاتاً. 
ثمّ بعدئذٍ يختلف المسير فينحرف الطرف المستنير إلى الشرق ويستبين جزء منه وبه يتكوّن الهلال الجديد كما تقدّم إلّا أنّ هذا الانحراف المستتبع لتلك الاستبانة تدريجي الحصول لا محالة، فلا يحدث المقدار المعتدّ به القابل للرؤية ابتداءً، بل شيئاً فشيئاً، إذ كلّما فرضناه من النور فهو طبعاً قابل للقسمة، بناءً على ما هو الحقّ من امتناع الجزء الذي لا يتجزأ. 
فلنفرض أنّ أوّل جزء منه واحد من مليون جزء من أجزاء النصف المستنير من القمر، فهذا المقدار من الجزء متوجّه إلى طرف الشرق، غير أنّه لشدّة صغره غير قابل للرؤية. 
و لكن هذا الوجود الواقعي لا أثر له في تكوّن الهلال وإن علمنا بتحقّقه علماً قطعيّاً حسب قواعد الفلك وضوابط علم النجوم، إذ العبرة حسب النصوص المتقدّمة بالرؤية وشهادة الشاهدين بها شهادةً حسّيّةً عن باصرة عادية لا عن صناعة علميّة أو كشفه عن علوّه وارتفاعه في الليلة الآتية. 
ومنه تعرف أنّه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلّحة المستندة إلى المكبّرات المستحدثة والنظّارات القويّة كالتّلسكوب ونحوه. من غير أن يكون قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة والنظر العادي. 
نعم، لا بأس بتعيين المحلّ بها ثمّ النظر بالعين المجرّدة، فإذا كان قابلاً للرؤية ولو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدّمات كفى وثبت به الهلال كما هو واضح.

-----------
المصدر:
موسوعة الامام الخوئي الجزء 22

************

ونقل عنه (قدس سره) في حاشية منهاج الصالحين - الجزء 1:
 
(مسألة 1044):
إذا رؤي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بحيث إذا رؤي في أحدهما رؤي في الآخر،بل الظاهر كفاية الرؤية في بلد ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في الليل و إن كان أول الليل في أحدهما آخره في الآخر.

بيان ذلك أن البلدان الواقعة على سطح الأرض تنقسم إلى قسمين:
أحدهما:ما تتفق مشارقه ومغاربه،أو تتقارب.
ثانيهما:ما تختلف مشارقه ومغاربه اختلافا كبيرا.

أما القسم الأول: فقد اتفق علماء الإمامية على أن رؤية الهلال في بعض هذه البلاد كافية لثبوته في غيرها،فإن عدم رؤيته فيه إنما يستند -لا محالة- إلى مانع يمنع من ذلك،كالجبال،أو الغابات،أو الغيوم،أو ما شاكل ذلك.
وأما القسم الثاني (ذات الآفاق المختلفة): فلم يقع التعرض لحكمه في كتب علمائنا المتقدمين، نعم حكي القول باعتبار اتحاد الأفق عن الشيخ الطوسي في(المبسوط).
فاذن: المسألة مسكوت عنها في كلمات أكثر المتقدمين، و إنما صارت معركة للآراء بين علمائنا المتأخرين:المعروف بينهم القول باعتبار اتحاد الأفق، و لكن قد خالفهم فيه جماعة من العلماء والمحققين فاختاروا القول بعدم اعتبار الاتحاد وقالوا بكفاية الرؤية في بلد واحد لثبوته في غيره من البلدان و لو مع اختلاف الأفق بينها.
فقد نقل العلامة في (التذكرة) هذا القول عن بعض علمائنا واختاره صريحا في(المنتهى) واحتمله الشهيد الأول في (الدروس) واختاره -صريحا-المحدث الكاشاني في (الوافي) وصاحب الحدائق في حدائقه، ومال إليه صاحب الجواهر في جواهره والنراقي في (المستند)، والسيد أبو تراب الخوانساري في شرح (نجاة العباد) والسيد الحكيم في مستمسكه في الجملة.
و هذا القول -أي كفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة ليلة لهما معا و إن كان أول ليلة لأحدهما و آخر ليلة للآخر،و لو مع اختلاف وافقهما- هو الأظهر، و يدلنا على ذلك أمران:
(الأول): أن المشهور القمرية إنما تبدأ على أساس وضع سير القمر و اتخاذه موضعا خاصا من الشمس في دورته الطبيعية،و في نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، و في هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في أية بقعة من بقاع الأرض، و بعد خروجه عن حالة المحاق و التمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري، و يبدأ شهر قمري جديد.
و من الواضح، أن خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها، لا لبقة دون أخرى، وإن كان القمر مرئيا في بعضها دون الآخر، و ذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس، أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك، فإنه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه ليس لخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، و هذا بخلاف طلوع الشمس فإنه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها.
و على ضوء هذا البيان فقد اتضح أن قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوع الشمس و غروبها قياس مع الفارق،و ذلك لأن الأرض بمقتضى كرويتها يكون -بطبيعة الحال- لكل بقعة منها مشرق خاص و مغرب كذلك، فلا يمكن أن يكون للأرض كلها مشرق واحد و لا مغرب كذلك و هذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية -أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس- فإنه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض و عدم صلته بها لا يمكن أن يتعدد بتعددها.
و نتيجة ذلك: أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته و أنه بداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعا لا لخصوص البلد الذي يرى فيه و ما يتفق معه في الأفق.

ومن هنا يظهر: أن ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الأفق مبني على تخيل ان ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها، إلا أنه لا صلة -كما عرفت- لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون أخرى فإن حاله مع وجود الكرة الأرضية وعدمها سواء.
(الثاني): النصوص الدالة على ذلك،و نذكر جملة منها:
1-صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (ع) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: «إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما».
فإن هذه الصحيحة بإطلاقها تدلنا -بوضوح- على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوما في مصر كان كذلك في بقية الأمصار بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل في الأفق لكان على الإمام (ع) أن بين ذلك،فعدم بيانه مع كونه عليه السلام في مقام البيان كاشف عن الإطلاق.
2-صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه(ع)أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال:«لا تقضيه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر،و قال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه».
الشاهد في هذه الصحيحة جملتان: (الأولى) قوله(ع) «لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة» (إلخ)
فإنه يدل -بوضوح- على أن رأس الشهر القمري واحد بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها و لا يتعدد بتعددها، (الثانية) قوله(ع): «لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل الأمصار» فإنه كسابقه واضح الدلالة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها فيكون واحدا بالإضافة إلى جميع أهل البقاع و الأمصار.
و إن شئت فقل: إن هذه الجملة تدل على أن رؤية الهلال في مصر كافية لثبوته في بقية الأمصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الآفاق أو اختلافها فيها فيكون مردّه إلى أن الحكم المترتب على ثبوت الهلال -أي خروج القمر عن المحاق- حكم تمام أهل الأرض لا لبقعة خاصة.
3-صحيحة إسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد اللّه(ع)عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال:«و لا تصمه إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه».
فهذه الصحيحة ظاهرة الدلالة بإطلاقها على أن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متحدة معه في الأفق أو مختلفة و إلا فلا بد من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان.
4- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال«لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه» فهذه الصحيحة كسابقتها في الدلالة على ما ذكرناه.
و يشهد على ذلك ما ورد في عدة روايات في كيفية صلاة عيدي الأضحى و الفطر و ما يقال فيها من التكبير من قوله (ع) في جملة تلك التكبيرات: «أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا».ـ
فإن الظاهر أن المشار إليه في قوله (ع) في هذا اليوم هو يوم معين خاص جعله اللّه تعالى عيدا للمسلمين لا أنه كل يوم ينطبق عليه أنه يوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار في رؤية الهلال باختلاف آفاقها،هذا من ناحية،و من ناحية أخرى أنه تعالى جعل هذا اليوم عيدا للمسلمين كلهم لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد.
فالنتيجة على ضوئهما أن يوم العيد يوم واحد لجميع أهل البقاع و الأمصار على اختلافها في الآفاق و المطالع.

و يدل أيضا على ما ذكرناه الآية الكريمة الظاهرة في أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقهم ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة و هذه الليلة الواحدة هي ليلة القدر و هي خير من ألف شهر و فيها يفرق كل أمر حكيم.
و من المعلوم أن تفريق كل أمر حكيم فيها لا يخص بقعة معينة من بقاع الأرض بل يعم أهل البقاع أجمع، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى قد ورد في عدة من الروايات أن في ليلة القدر يكتب المنايا و البلايا و الأرزاق و فيها يفرق كل أمر حكيم، و من الواضح أن كتابة الأرزاق و البلايا و المنايا في هذه الليلة إنما تكون لجميع أهل العالم لا لأهل بقعة خاصة.فالنتيجة على ضوئهما أن ليلة القدر ليلة واحدة لأهل الأرض جميعا،لا أن لكل بقعة ليلة خاصة.
هذا، مضافا إلى سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، ولم يرد ذلك حتى في رواية ضعيفة.
و منه يظهر أن ذهاب المشهور إلى ذلك ليس من جهة الروايات بل من جهة ما ذكرناه من قياس هذه المسألة بمسألة طلوع الشمس وغروبها وقد عرفت أنه قياس مع الفارق.

السبت، 6 يونيو، 2015

مسألة معونة الظالمين عند الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المسألة الثالثة: في معونة الظالمين

والمشهور في كلام الاصحاب، تقييدها بما يحرم، واما ما لا يحرم كالخياطة لهم والبناء ونحو ذلك فانه لا بأس به.

قال في الكفاية: ومن ذلك معونة الظالمين بما يحرم، اما ما لا يحرم كالخياطة وغيرها فالظاهر جوازه. لكن الاحوط الاحتراز عنه لبعض الاخبار الدالة على المنع، وقوله تعالى: ” ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ” (1)

قال في مجمع البيان: فقيل معناه: ولا تميلوا الى المشركين في شئ من دينكم، عن ابن عباس وقيل: لا تداهنوا الظلمة، عن السدى وابن زيد قيل: ان الركون الى الظالمين المنهى عنه، هو الدخول معهم في ظلمهم، واظهار موالاتهم، واما الدخول عيلهم ومعاشرتهم دفعا لشرهم فجائز. عن القاضى. وقريب منه ماروى عنهم – عليهم السلام -: ان الركون هو المودة والنصيحة والطاعة لهم انتهى.

اقول: الظاهر من الاخبار الواردة في هذا المقام، هو عموم تحريم معونتهم. بما يحرم وما لا يحرم. 

منها: ما رواه الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم، عن ابى بصير قال: سألت ابا جعفر عليه السلام، عن اعمالهم، فقال لى: يا ابا محمد، لا ولا مدة قلم، ان احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا الا اصابوا من دينه مثله (1) أو قال: حتى تصيبوا من دينه مثله، الوهم من ابن ابي عمير (2). وعن ابن ابى يعفور قال: كنت عند الصادق عليه السلام، فدخل عليه رجل من اصحابنا، فقال له: اصلحك الله تعالى، انه ربما اصاب الرجل منا الضيق والشدة، فيدعى الى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما احب انى عقدت لهم عقدة، اووكيت لهم وكاء، وان لى ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم. ان اعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار حتى يحكم الله عزوجل بين العباد (3). وما رواه في التهذيب عن يونس بن يعقوب في الموثق، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: لا تعنهم على بناء مسجد (4). وعن صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على ابى الحسن الاول عليه السلام، فقال لى: يا صفوان، كل شئ منك حسن جميل، ما خلا شيئا واحدا، فقلت: جعلت فداك، أي شئ ؟ قال: اكراوك جمالك هذا الرجل – يعنى هارون – قلت: والله ما اكريته اشرا ولا بطرا ولا لصيد ولا للهو، ولكني اكريته لهذا الطريق، يعنى طريق مكة، ولا اتوليه بنفسى، ولكني ابعث معه غلماني. فقال لى: يا صفوان، ايقع كراؤك عليهم ؟ قلت: نعم، جعلت فداك. فقال لى: اتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك ؟ قلت: نعم قال: فمن احب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده في النار. قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها. فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني فقال لى: يا صفوان، بلغني انك بعت جمالك، قلت: نعم. قال: ولم ؟ قلت: انا شيخ كبير وان الغلمان لا يفون بالاعمال. فقال: هيهات هيهات، انى لاعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر عليه السلام. فقلت: مالى ولموسى بن جعفر عليه السلام ! فقال: دع هذا عنك، فو الله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1). وما رواه في عقاب الاعمال، بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عليه السلام، عن آبائه – عليهم السلام -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: اين اعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروه معهم (2) وروى الثقة الجليل، ورام بن ابى فراس، في كتابه، قال: قال عليه السلام: من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم انه ظالم فقد خرج عن الاسلام. قال: وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: اين الظلمة واعوان الظلمة، واشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما ولاق لهم دواة ! قال: فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى به في جهنم (3). ويعضد ذلك ما رواه في الكافي، عن سهل بن زياد، رفعه عن الصادق عليه السلام، في قول الله عزوجل ” ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ” قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه. وعن فضيل بن عياض، عن الصادق عليه السلام، قال: ومن احب بقاء الظالمين فقد احب ان يعصى الله تعالى، ان الله تبارك وتعالى حمد نفسه عند هلاك الظالمين، فقال: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (1). وعن ابى حمزة عن على بن الحسين عليه السلام في حديث، قال: اياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين (2). وعن محمد بن عذافر، عن ابيه، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: نبئت انك تعامل ابا ايوب والربيع، فما حالك إذا نودى بك في اعوان الظلمة ؟ ! قال فوجم ابى، فقال له أبو عبد الله عليه السلام لما رآى ما اصابه: أي عذافر، انى انما خوفتك بما خوفني الله عزوجل. قال محمد: فقدم ابى، فمازال مغموما مكروبا حتى مات (3). 

إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع، وهى صريحة في تحريم معونة الظالمين بالامور المحللة، على ابلغ وجه وآكده. 

وبذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل المذكور تبعا للمشهور والكل ناش عن الغفلة عن تتبع الاخبار والوقوف عليها من مظانها. نعم يجب ان يستثنى من ذلك ما إذا ألجأته ضرورة التقية والخوف، فان الضرورات تبيح المحظورات.

واما معونة الظالمين بما كان ظلما ومحرما فيدل على تحريمه: العقل والنقل، كتابا وسنة. ومنه: قوله عزوجل ” ولا تركنوا.. الاية. قيل: والركون هو الميل القليل. وقال في مجمع البحرين في تفسير الاية: أي لا تطمئنوا إليهم، ولا تسكنوا إلى قولهم، والرضا بافعالهم، ومصاحبتهم ومصادقتهم ومداهنتهم انتهى.

وحينئذ فإذا كان هذا القدر من الميل إليهم موجبا لدخول النار فبالطريق الاولى اعانتهم على الظلم ومشاركتهم فيه. وقد تقدم في مرسلة سهل: ان الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه (1). وفى باب جمل من مناهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكور في الفقيه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: من مدح سلطانا جائرا أو تخفف وتضعضع له طمعا فيه، كان قرينه في النار، قال الله عزوجل ولا تركنوا.. الاية (2). 

وظاهر الخبرين المذكورين: الدلالة على ان الميل إليه لتحصيل شئ من دنياه وحب بقائه ووجوده لذلك، داخل تحت الاية.

ثم ان الظاهر ان المراد من هذا التشديد والتأكيد في هذه الاخبار الواردة في هذا المقام، مما تقدم ويأتى، انما هو سلاطين الجور المدعين للامامة، من الاموية والعباسية ومن حذا حذوهم، كما هو ظاهر من سياقها، ومصرح به في بعضها لا مطلق الظالم والفاسق وان كان الظلم والفسق محرما مطلقا. وعلى هذا فلو احب احد بقاء حاكم جور من المؤمنين والشيعة، لحبه المؤمنين وحفظه بيضة الدين من الاعداء والمخالفين، فالظاهر انه غير داخل في الاية، ولا الاخبار المذكورة. ويعضد ذلك ما رواه في الكافي عن الولد بن صبيح في الصحيح، قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فاستقبلني زرارة، خارجا من عنده. فقال لى أبو عبد الله عليه السلام: ياوليد، اما تعجب من زرارة، سألني عن اعمال هولاء، أي شئ كان يريد ؟ أيريد ان اقول له: لا، فيروى ذلك على ؟ ! ثم قال يا وليد، متى كانت الشيعة تسأل عن اعمالهم، انما كانت الشيعة تقول: يوكل من طعامهم ؟ ويشرب من شرابهم ؟ ويستظل بظلهم ؟ متى كانت الشيعة تسأل عن هذا ؟ ! وفى الخبر للمذكور ذم لزرارة (1)، ولكن جلالة قدره تقتضي صرفه عن ظاهره والحمل على ما يقتضيه مقامات الحال يومئذ.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان الاخبار قد اختلفت في جواز الدخول في اعمالهم، والولاية من قبلهم.

فمنها: ما دل على المنع من ذلك.

ومنها: ما ظاهره الجواز، لكن بشرط امكان الخروج مما يجب عليه ويحرم. وبذلك صرح الاصحاب ايضا. فاما ما يدل على الاول من الاخبار، فمنها: ما رواه في الكافي عن ابراهيم بن مهاجر، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فلان يقرؤك السلام، وفلان وفلان فقال: وعليهم السلام. فقلت: يسألونك الدعاء، قال: ومالهم ؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: ماله ومالهم ؟ قلت: استعملهم فحبسهم، فقال: مالهم ولهذا ؟ الم انههم الم انههم الم انههم ؟ هم النار هم النار هم النار. ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم. قال فانصرفت من مكة، فسألت عنهم، فاذاهم قد خرجوا بعد هذا الكلام بثلاثة ايام (2). وعن داود بن زربى في الصحيح، قال: اخبرني مولى لعلى بن الحسين عليه السلام، قال: كنت بالكوفة، فقدم أبو عبد الله – عليه السلام – الحيرة فاتيته، فقلت له: جعلت فداك، لو كلمت داود بن على أو بعض هؤلاء فادخل في بعض هذه الولايات، فقال: ماكنت لافعل، فانصرفت الى منزلي، فتفكرت فقلت ما احسبه منعنى الا مخافة ان اظلم أو اجور. والله لآتينه واعطينه الطلاق والعتاق والايمان المغلظة. ان لا اظلمن احدا ولا اجور، ولاعدلن. قال: فأتيته فقلت جعلت فداك، انى فكرت في ابائك على، فظنتت، انك انما منعتني وكرهت ذلك، مخافة ان اجور أو اظلم، وان كل امرأة لى طالق، وكل مملوك لى حر، وعلي وعلي ان ظلمت احدا اوجرت على احد اوان لم اعدل، قال: فكيف قلت ؟ فاعدت عليه الايمان، فرفع رأسه إلى السماء فقال: تنال السماء ايسر عليك من ذلك (1). وعن جهم بن حميد، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: اما تغشى سلطان هؤلاء ؟ قال: قلت: لا. قال: ولم ؟ قلت: فرارا بدينى، قال: وعزمت على ذلك ؟ قلت: نعم. قال لى: الان سلم لك دينك (2). وعن حميد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام انى وليت عملا، فهل لى من ذلك مخرج ؟ فقال: ما اكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه ! قلت: فما ترى ؟ قال: ان تتقى الله تعالى ولا تعود (3). وما رواه في التهذيب عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلى، عن ابى عبد الله – عليه السلام -، قال: من سود اسمه في ديوان ولد سابع، حشره الله تعالى يوم القيامة خنزيرا (4). اقول: ” سابع ” مقلوب ” عباس ” كنى به تقية، كما يقال: رمع مقلوب عمر. وما رواه على بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة، قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن قوم من الشيعة، يدخلون في اعمال السلطان، يعملون لهم ويجبون لهم، ويوالونهم ؟ قال ليس هم من الشيعة، ولكنهم من أولئك. ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام هذه الاية ” لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم – الى قوله – ولكن كثيرامنهم فاسقون ” قال: الخنازير على لسان داود، والقردة عل لسان عيسى، ” كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ” كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، ويأتون النساء ايام حيضهن، ثم احتج الله تعالى على المومنين الموالين للكفار فقال: ” ترى كثيرامنهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم – الى قوله – ولكن كثيرا منهم فاسقون ” فنهى الله عز وجل ان يوالى المؤمن الكافر الا عند التقية (1). وما رواه العياشي في تفسيره عن سليمان الجعفري، قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: ما تقول في عمال السلطان ؟ فقال: يا سليمان، الدخول في اعمالهم، والعون لهم والسعى في حوائجهم، عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد، من الكبائر التى يستحق بها النار (2). إلى غير ذلك من الاخبار التى تجرى هذا المجرى. ثم ان الواجب على الداخل في اعمالهم رد ما اكتسبه في عملهم على اصحابه، ومع عدم معرفتهم فالواجب الصدقة به عنهم، كما صرح به الاصحاب. والتوبة النصوح في هذا الباب. ويدل على ذلك خبر على بن ابى حمزة، قال: كان لى صديق من كتاب بنى امية، فقال لى: استأذن لى على ابى عبد الله عليه السلام، فاستأذنت له، فلما ان دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك، انى كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، واغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لولا ان بنى امية وجدوا من يكتب لهم، ويجبى لهم الفئ، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، ما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في ايديهم، ما وجدوا شيئا الا ما وقع في ايديهم. قال: فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لى مخرج منه ؟ قال: ان قلت لك تفعل ؟ قال: افعل. قال له: فاخرج من جميع ما اكتسب في ديونهم، فمن عرفت منهم رددت عليه، ومن لم تعرف تصدقت له، وانا اضمن لك على الله تعالى الجنة. فاطرق الفتى طويلا، ثم قال: قد فعلت، جعلت فداك. قال ابن ابى حمزة: فرجع الفتى معنا الى الكوفة، فما ترك شيئا على وجه الارض الا خرج منه، حتى ثيابه التى كانت على بدنه. قال: فقسمت له قسمة، واشتريت له ثيابا، وبعثت إليه نفقة، قال: فما اتى عليه الا اشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده قال: فدخلت يوما وهو في السوق، قال: ففتح عينيه، ثم قال: يا على، وفي لى والله صاحبك ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فلما نظر الى، قال: يا على وفينا والله لصاحبك. قال: فقلت: صدقت، جعلت فداك، هكذا والله قال لى عند موته (1).

واماما يدل من الاخبار الجواز بالقيد المتقدم ذكره، فجملة من الاخبار، الا ان جملة من الاصحاب عبروا هنا – مع الامن من الدخول بالحرام، والتمكن من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر – بالجواز. وعبر بعضهم بالاستحباب،. و قال بعضهم: ان مقتضى الشرط المذكور هو الوجوب، لان القادر على الامر بالمعروف يجب عليه وان يوله الجائر وهو جيد.

قال في المسالك: ومقتضى هذا الشرط وجوب التولية، لان القادر على الامر بالمعروف يجب عليه، وان لم يوله الظالم.

ولعل الوجه في عدم الوجوب كونه بصورة النائب عن الظالم، وعموم النهى عن الدخول معهم وتسويد الاسم في ديوانهم، فإذا لم يبلغ حد المنع، فلا اقل من الحكم بعدم الوجوب، ولا يخفى ما في هذا الوجه. انتهى.

وما ذكره من ان مقتضى الشرط المذكور الوجوب جيد، لكن على تفصيل سنذكره انشاء الله تعالى، بعد نقل الاخبار.

فنقول: من الاخبار في المقام ما رواه في الكافي عن زياد بن ابى سلمة، قال: دخلت على ابى الحسن موسى عليه السلام، فقال لى: يا زياد انك لتعمل عمل السلطان ؟ قال: قلت: اجل، قال لى: ولم ؟ قلت: انى رجل لى مروة، وعلى عيال، وليس وراء ظهرى شئ، قال: فقال لى: يا زياد، لان اسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة احب الى من ان اتولى لاحد منهم عملا، اوأطأ بساط رجل منهم، الا، لماذا ؟ قلت: لا ادرى جعلت فداك، فقال: الا لتفريج كربة عن مؤمن اوفك اسره أو قضاء دينه. يا زياد ان اهون ما يصنع الله تعالى بمن تولى لهم عملا ان يضرب عليه سرادق من النار، الى ان يفرغ الله سبحانه من حساب الخلائق. يا زياد، فان وليت شيئا من اعمالهم فاحسن الى اخوانك، فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك. يا زياد، ايما رجل منكم تولى لاحد منهم عملا ثم ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له: انت منتحل كذاب. يا زياد، إذا ذكرت مقدرتك على الناس، فاذكر مقدرة الله عليك غدا، ونفاد ما اتيت إليهم عنهم، وبقاء ما ابقيت إليهم عليك (1). وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولى ولاية، فقال: كيف صنيعه إلى اخوانه ؟ قال: قلت: ليس عنده خبر. قال: اف، يدخلون فيما لا ينبغى لهم، ولا يصنعون الى اخوانهم خيرا (2). ومنها: ما رواه على بن يقطين، قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: ما تقول في اعمال هؤلاء ؟ قال: ان كنت لابد فاعلا فاتق اموال الشيعة، قال: فاخبرني على، انه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر (3). وعن الحسن بن الحسين الانباري، عن ابى الحسن الرضا عليه السلام، قال: كتبت إليه: اربع عشرة سنة استأذنه في اعمال السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه، اذكره انى اخاف على خيط عنقي، وان السلطان يقول لى: انك رافضي، ولسنا نشك في انك تركت عمل السلطان للفرض، فكتب إلى أبو الحسن عليه السلام: قد فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فان كنت تعلم انك إذا وليت، عملت في عملك بما امرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تصير اعوانك وكتابك اهل ملتك (1)، وإذا صار اليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين، حتى تكون واحدا منهم، كان ذا بذا، و والافلا (2). وعن ابى بصير عن عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من جار الا ومعه مؤمن يدفع الله تعالى به عن المؤمنين وهو اقلهم حظا في الاخرة، يعنى اقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار (3). وما في التهذيب عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا الا ان لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب، ولا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شئ، فليبعث بخمسه الى اهل البيت – عليهم السلام – (4). وما رواه في الكافي عن يونس بن عمار، قال: وصفت لابي عبد الله عليه السلام من يقول بهذا الامر ممن يعمل عمل السلطان، وقال: إذا ولوكم يدخلون عليكم الرفق وينفعونكم في حوائجكم ؟ قال: قلت: منهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعل. قال: من لا يفعل ذلك منهم فابرؤا منه، برء الله منه (5). وما رواه في الكافي والفقيه عن على بن يقطين، قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: ان لله عزوجل مع السلطان اولياء يدفع بهم عن اوليائه (6). 

قال في الفقيه: وفى خبر آخر: اولئك عتقاء الله من النار. قال: وقال الصادق – عليه السلام -: كفارة عمل السلطان، قضاء حوائج الاخوان (1). وروى الكشى في الرجل في ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: كان محمد بن اسماعيل من رجال ابى الحسن موسى عليه السلام، وادرك ابا جعفر الثاني عليه السلام، وقال حمدويه عن أشياخه: انه واحمد بن حمزة كانا في عداد الوزراء قال: وفى رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع ” قال الرضا عليه السلام: ان لله تعالى بابواب الظالمين من نور الله تعالى له البرهان، ومكن له في البلاد، ليدفع بهم عن اوليائه ويصلح الله تعالى به امور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر، واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله تعالى روعة المؤمن في دار الظلم، اولئك المؤمنون حقا. اولئك امناء الله في ارضه، اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، ويزهر نورهم لاهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لاهل الارض، اولئك من نورهم يوم القيامة تضئ منه القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله. قال: قلت بماذا – جعلني الله فداك – ؟. قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المومنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد (2). وروى الكشى في الكتاب المذكور قال: لما قدم أبو ابراهيم موسى عليه السلام العراق، قال على بن يقطين: اما ترى حالى وما انا فيه ؟ فقال له: يا على ان لله تعالى اولياء مع اولياء الظلمة ليدفع بهم عن اوليائه وانت منهم يا على (3). وروى في قرب الاسناد بسنده عن على بن يقطين انه كتب الى ابى الحسن عليه السلام ان قلبى يضيق مما انا عليه السلطان، وكان وزيرا لهارون، فان اذنت – جعلني الله فداك – هربت منه. فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم (1). وروى في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب ” مسائل الرجال من عملهم ومكاتباتهم. الى مولانا ابى الحسن على بن محمد الهادى عليه السلام ” قال: وكتبت إليه أسأله عن العمل لبنى العباس واخذ ما اتمكن من اموالهم، هل فيه رخصة. وكيف المذهب في ذلك ؟ فقال: ما كان الداخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر، وما خلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيره، وما يكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه ويسبب على يديه ما يسر له فينا وفى موالينا قال: وكتبت إليه في جواب ذلك، اعلمه ان مذهبي في الدخول في امرهم وجود السبيل إلى ادخال المكروه على عدوه وانبساط اليد في التشفي منهم، بشئ ان اتقرب به إليهم، فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل اجرا وثوابا (2). وروى في المقنع قال: روى عن الرضا عليه السلام: انه قال: ان لله تعالى مع السلطان اولياء، يدفع بهم عن اوليائه. قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يحب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ديوان هولاء فيقتل تحت رايتهم، فقال: يحشره الله على نيته (3). وروى في الامالى عن زيد الشحام في الصحيح، قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: من تولى امرا من امور الناس فعدل، وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في امور الناس، كان حقا على الله عزوجل ان يؤمن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنة (4). وروى في الكافي والتهذيب عن محمد بن جمهور وغيره، من اصحابنا قال: كان النجاشي – وهو رجل من الدهاقين – عاملا على الاهواز وفارس، فقال بعض  اهل عمله لابي عبد الله عليه السلام: ان في ديوان النجاشي على خراجا، وهو ممن يدين بطاعتك، فان رأيت ان تكتب لى إليه كتابا ؟ فكتب إليه أبو عبد الله عليه السلام: ” بسم الله الرحمن الرحيم، سر اخاك يسرك الله تعالى “. قال: فلما ورد عليه الكتاب وهو في مجلسه فلما خلا، ناوله الكتاب، فقال: هذا كتاب ابى عبد الله عليه السلام ؟ فقبله ووضعه على عينيه، قال: ما حاجتك ؟ فقال، على خراج في ديوانك. قال له: كم هو ؟ قال: عشرة الاف درهم. قال: فدعى كاتبه فأمره بادائها عنه، ثم اخرج مثله فأمره ان يثبتها له لقابل. ثم قال له: هل سررتك ؟ قال: نعم قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم اخرى، فقال له، هل سررتك ؟ فقال: نعم جعلت فداك فامر له بمركب ثم امر له بجارية وغلام وتخت ثياب، في كل ذلك يقول: هل سررتك ؟ فكلما قال: نعم، زاده، حتى فرغ قال له: احمل فرش هذا البيت الذى كنت جالسا فيه، حين دفعت إلى كتاب مولاى، وارفع إلى جميع حوائجك، قال ففعل وخرج الرجل، فصار الى ابى عبد الله عليه السلام بعد ذلك فحدثه بالحديث، على وجهه، فجعل يستبشر بما فعل فقال له الرجل: يا ابن رسول الله، كأنه قد سرك ما فعل بى ؟ قال: أي والله، لقد سر الله تعالى ورسوله (1).

اقول: لا يخفى ما في هذه الاخبار، باعتبار ضم بعضها الى بعض، من التدافع والتمانع. 

ومجمل القول فيها: انه لاشك انه قد علم من الاخبار المتقدمة حرمة الدخول في اعمالهم على اوكد وجه، بل مجرد محبتهم والركون إليهم وحب بقائهم، فضلا عن مساعدتهم واعانتهم بالاعمال، الا ان الاخبار الدالة على الجواز ظاهرة فيه بالقيود المذكورة فيها، لكنها ظاهرة الاختلاف، فان منها ما يدل على انه بالاتيان بتلك الشروط انما تحصل له بها الكفارة، بان تكون هذه الشروط كفارة لدخوله في العمل، كما يشير إليه قوله – في حديث ابى بصير المتقدم -: وهو اقلهم حظا في الاخرة (1). الى اقل المؤمنين. وقوله – في خبر الحسن بن الحسين الانباري -: كان ذابذ (2). وفى خبر زياد بن ابى سلمة: فواحدة بواحدة (3). ولعله عليه السلام – في رواية الانباري – كان يعلم عدم حصول القتل عليه بعدم دخوله، والا فمنعه عن الدخول – والحال هذه – خروج عن الادلة القطعية، آية ورواية في العمل بالتقية، كما لا يخفى. ومنها: ما يدل على انه ينال بذلك الحظ الاوفر والمنزلة العليا، كما يدل عليه كلام الرضا عليه السلام في رواية الكشى (4). واخبار على بن يقطين وعلو مرتبته عند الكاظم عليه السلام (5). وخبر النجاشي وما قاله الصادق عليه السلام في حقه (6). ويؤيده خبر منع الكاظم عليه السلام لعلى بن يقطين عن الخروج من اعمالهم.

والتحقيق في ذلك: ان هنا مقامات ثلاثة:

(الاول): ان يدخل في اعمالهم لحب الدنيا، وتحصيل لذة الرياسة، والامر والنهى. وهو الذي يحمل عليه اخبار المنع.

(الثاني): ان يكون كذلك، ولكن يمزجه بفعل الطاعات وقضاء حوائج المؤمنين وفعل الخيرات. وهذا هو الذي اشير إليه في الاخبار المتقدمة، كما عرفت من قوله عليه السلام: ذابذا. وقوله: واحدة بواحدة. وقوله: وهو اقلهم حظا. ونحو ذلك.

(الثالث): ان يكون قصده من الدخول فيها، انما هو محض فعل الخير، و دفع الاذى عن المؤمنين، واصطناع المعروف إليهم، وهو الفرد النادر واقل قليل، حتى قيل انه من قبيل اخراج اللبن الخالص من بين فرث ودم. ويشير الى هذا الفرد عجز حديث السرائر المتقدم (1) وعلى هذا يحمل دخول مثل الثقة الجليل على بن يقطين، ومحمد بن اسماعيل بن بزيع، وامثالهما من اجلاء الرواة عنهم، النجاشي المتقدم ذكره، وكذلك جملة من علمائنا الاعلام، كالمرتضى والمحقق الخواجه نصير الدين والملة، وآية الله العلامة الحلى، ومن المتأخرين المحقق الثاني في سلطنة الشاه اسماعيل، وشيخنا البهائي، وشيخنا المجلسي، و نحوهم عطر الله مراقدهم. مع تسليم دعوى العموم. وبذلك يزول الاشكال والله العالم.

تتمة مهمة:

اقول: ومن هنا يعلم الكلام في جواز الدخول في اعمالهم وعدمه، والاصحاب قد صرحوا هنا بانه لا يجوز الدخول في اعمالهم الا مع التمكن من القيام بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر وقسمة الصدقات والاخماس على مستحقيها، وصلة الاخوان، ولا يرتكب في ذلك المآثم، علما أو ظنا، والا فلا يجوز الولاية بلا خلاف، كما نقله في المنتهى. وعلى الاول تحمل الاخبار الدالة على رضا الائمة عليهم السلام ببعض الولاة، كمن اشرنا إليهم في آخر البحث. وعلى الثاني تحمل الاخبار المانعة من الدخول كما تقدم. والظاهر ان القسم الثاني الذى قدمنا ذكره داخل في الاول من هذين القسمين، كما تقدم في رواية الانباري (1)، فهو اعم منهما. والفرق بينهما حينئذ – مع اشتراكهما في الاذن والقيام بالامور المذكورة – من جهة ما قدمنا ذكره، من قصد امر زائد في الدخول على هذه الامور المذكورة، وهو حب الرياسة والامر والنهى ونحو ذلك، وعدمه. فمع قصده يكون من القسم الثاني المتقدم ذكره، ومع عدمه يكون من القسم الثالث الذى هو اقل قليل: واما لو اكرهه الجائر على الدخول فانه يجوز له الولاية دفعا للضرر عن نفسه، ولا يجوز له ان يتعدى الحق ما امكنه، فان اكره على استعمال مالا يجوز شرعا جاز له، ما لم يبلغ الى الدماء، فانه لا تجوز التقية فيها على حال.

بقى الكلام في الدماء التى لا تقية فيها، هل هي اعم من القتل والجرح أو مخصوصة بالقتل، قولان. والمدعى للعموم ادعى ورود رواية بانه لا تقية في الدماء. والمدعى للتخصيص نقل رواية بانه لا تقية في القتل. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام، ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية (1). وروى الشيخ في الموثق عن ابى حمزة الثمالى، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (2). وانت خبير بما فيهما من الاجمال، لاحتمال حمل الدم على ظاهره الشامل للجرح، واحتمال ارادة القتل خاصة، فانه مما يعبر عنه بهذه العبارة غالبا. 

وبالجملة فالمسألة لاجل ذلك محل اشكال والله العالم.

الحدائق الناضرة
ج ١٨ ص ١١٨

الجمعة، 13 فبراير، 2015

نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد


نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد

إصدار مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين .

أمّا بعد : فليعلم المقاتلون الأعزّة الذين وفّقهم الله عزّ وجلّ للحضور في ساحات الجهاد وجبهات القتال مع المعتدين:

   1 ـ أنّ الله سبحانه وتعالى ـ كما ندب الى الجهاد ودعا إليه وجعله دعامةً من دعائم الدين وفضّل المجاهدين على القاعدين ــ فإنّه عزّ اسمه جعل له حدوداً وآداباً أوجبتها الحكمة واقتضتها الفطرة، يلزم تفقهها ومراعاتها، فمن رعاها حق رعايتها أوجب له ما قدّره من فضله وسنّه من بركاته، ومن أخلّ بها أحبط من أجره ولم يبلغ به أمله .

   2 ـ فللجهاد آدابٌ عامّة لابدّ من مراعاتها حتى مع غير المسلمين، وقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله ) يوصي بها أصحابه قبل أن يبعثهم إلى القتال ، فقد صـحّ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : ( كان رسول الله – صلّى الله عليه وآله ــ إذا أراد أن يبعث بسريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله (ص) : لا تغلوا، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها).

   3 ـ كما أنّ للقتال مع البغاة والمحاربين من المسلمين واضرابهم أخلاقاً  وآداباً  أُثرت عن الإمام علي ( عليه السلام ) في مثل هذه المواقف ، مما جرت عليه سـيرته وأوصى به أصحابه في خطـبه وأقواله، وقد أجمعت الأمّة على الأخذ بها وجعلتها حجّة فيما بينها وبين ربّها ، فعليكم بالتأسي به والأخذ بمنهجه، وقد قال(عليه السلام) في بعض كلامه مؤكّداً لما ورد عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ـ في حديث الثقـلين والغدير وغيرهما ــ : (انظروا إلى أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لَبدُوا فالبدُوا ([1])، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا ).

   4 ـ فالله الله في النفوس، فلا يُستحلّن التعرّض لها بغير ما أحلّه الله تعالى في حال من الاحوال، فما أعظم الخطيئة في قتل النفوس البريئة وما أعظم الحسنة بوقايتها وإحيائها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه، وإنّ لقتل النفس البريئة آثاراً خطيرة في هذه الحياة وما بعدها ، وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) شدّة احتياطه في حروبه في هــذا الأمر ، وقد قـال في عهـده لمالك الأشـتر ــ وقد عُلِمت مكانتـُه عنده ومنزلـتُه لديه ــ ( إيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها فإنّه ليس شيء ادعى لنقمة واعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها والله سبحانه مبتدأ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة ، فلا تقويّن سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك مما يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لانّ فيه قود البدن ).

   فإن وجدتم حالة مشتبهة تخشون فيها المكيدة بكم ، فقدّموا التحذير بالقول أو بالرمي الذي لا يصيب الهدف أو لا يؤدّي إلى الهلاك، معذرةً إلى ربّكم واحتياطاً على النفوس البريئة.

   5 ـ الله الله في حرمات عامّة الناس ممن لم يقاتلوكم، لاسيّما المستضعفين من الشيوخ والولدان والنساء، حتّى إذا كانوا من ذوي المقاتلين لكم ، فإنّه لا تحلّ حرمات من قاتلوا غير ما كان معهم من أموالهم.

   وقد كان من سيرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه كان ينهى عن التعرّض لبيوت أهل حربه ونسائهم وذراريهم رغم إصرار بعض من كان معه ـــ خاصّة من الخوارج ــ على استباحتها وكان يقول : ( حارَبنا الرجال فحاربناهم ، فأمّا النساء والذراري فلا سبيل لنا عليهم لأنهن مسلمات وفي دار هجرة ، فليس لكم عليهن سبيل، فأمّا ما أجلبوا عليكم واستعانوا به على حربكم وضمّه عسكرهم وحواه فهو لكم ، وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض الله تعالى لذراريهم ، وليس لكم عليهنّ ولا على الذراري من سبيل ).

   6 ـ الله الله في اتهام الناس في دينهم نكاية بهم واستباحة ً لحرماتهم ، كما وقع فيه الخوارج في العصر الأول وتبعه في هذا العصر قوم من غير أهل الفقه في الدين، تأثراً بمزاجياتهم وأهوائهم وبرّروه ببعض النصوص التي تشابهت عليهم، فعظم ابتلاء المسلمين بهم.

   واعلموا إنّ من شهد الشهادتين كان مسلماً يُعصم دمُه ومالُه وإن وقع في بعض الضلالة وارتكب بعض البدعة، فما كلّ ضلالة بالتي توجب الكفر، ولا كلّ بدعة تؤدي إلى نفي صفة الاسلام عن صاحبها،  وربما استوجب المرء القتل بفساد أو قصاص وكان مسلماً .

   وقد قال الله سبحانه مخاطباً المجاهدين : (يا أيّها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا). واستفاضت الآثار عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نهيه عن تكفير عامّة أهل حربه ـ كما كان يميل إليه طلائع الخوارج في معسكره ــ بل كان يقول انهم قوم وقعوا في الشبهة، وإن لم يبرّر ذلك صنيعهم ولم يصح عُذراً لهم في قبيح فعالهم ، ففي الأثر المعتبر عن الامام الصادق عن ابيه (عليهما السلام): (أنّ علياً (ع) لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: هم اخواننا بغوا علينا )، (وكان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم نقاتلهم على التكفير لنا).

   7 ـ وإياكم والتعرّض لغير المسلمين أيّاً كان دينه ومذهبه فإنّهم في كنف المسلمين وأمانهم، فمن تعرّض لحرماتهم كان خائناً غادراً، وإنّ الخيانة والغدر لهي أقبح الأفعال في قضاء الفطرة ودين الله سبحانه، وقد قال عزّ وجلّ في كتابه عن غير المسلمين ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا اليهم إنّ الله يحب المقسطين ). بل لا ينبغي ان يسمح المسلمُ بانتهاك حرُمات غير المسلمين ممّن هم في رعاية المسلمين، بل عليه أن تكون له من الغيرة عليهم مثل ما يكون له على أهله، وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام ) أنه لما بعث معاوية (سفيان بن عوف من بني غامد) لشن الغارات على أطراف العراق ـ تهويلاً على أهله ـ فأصاب أهل الأنبار من المسلمين وغيرهم، اغتمّ أمير المؤمنين (ع) من ذلك غمّاً شديداً ، وقال في خطبةٍ له: ( وهذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها ، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقـُلَبها ([2]) وقلائدها ورعاثها ([3])، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام ، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم ، ولا أريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً ).

   8 ـ الله الله في أموال الناس، فإنه لا يحل مال امرئ مسلم لغيره إلاّ بطيب نفسه ، فمن استولى على مال غيـره غصـباً فإنّما حاز قطـعة من قطـع النيران، وقد قال الله سبحانه : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ). وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنه قال: (من اقتطع مال مؤمن غصباً بغير حقه لم يزل الله معرضاً عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البرّ والخير لا يثبتها في حسناته حتى يتوب ويردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه).

   وجاء في سيرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه نهي أن يُستحّل من أموال من حاربه إلاّ ما وجد معهم وفي عسكرهم ، ومن أقام الحجّة على أن ما وجد معهم فهو من ماله أعطى المال إيّاه، ففي الحديث عن مروان بن الحكم قال : (لمّا هَزَمنا عليٌ  بالبصرة ردّ على الناس أموالهم من أقام بيّنة أعطاه ومن لم يقم بنيّة أحلفه ).

   9 ـ الله الله في الحرمات كلّها، فإيّاكم والتعرّض لها أو انتهاك شيء منها بلسان أو يد ، واحذروا أخذ امرئ بذنب غيره، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ، ولا تأخذوا بالظنّة وتشبهوه على أنفسكم بالحزم ، فإنّ الحزم احتياط المرء في أمره، والظنة اعتداء على الغير بغير حجّة، ولا يحملّنكم بغض من تكرهونه على تجاوز حرماته كما قال الله سبحانه: ( ولا يجرمنّكم شنآن قوم ٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .

   وقد جاء عـن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال في خطبة له في وقعة صفّين في جملة وصاياه : ( ولا تمثّلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذىً وان شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم )، وقد ورد أنه ( عليه السلام ) في حرب الجمل ـــ وقد انتهت ــ وصل إلى دار عظيمة فاستفتح ففُتحت له، فإذا هو بنساءٍ يبكين بفناء الدار، فلمّا نظرن إليه صحن صيحة واحدة وقلن هذا قاتل الأحبّة، فلم يقل شيئاً، وقال بعد ذلك لبعض من كان معه مشيراً إلى حجرات كان فيها بعض رؤوس من حاربه وحرّض عليه كمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير: ( لو قتلت الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة ).

  كما ورد أنه ( عليه السلام ) قال في كلام له وقد سمع قوماً من أصحابه كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق يسبّون أهل الشام أيّام حربهم بصفين: ( اني أكره لكم ان تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم ( اللهم احقن دماءنا ودمائهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتّى يعرف الحقّ من جهله  ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به ) فقالوا له يا أمير المؤمنين: نقبل عِظتك ونتأدّب بأدبك.

   10 ـ ولا تمنعوا قوماً من حقوقهم وإن أبغضوكم ما لم يقاتلوكم، وقد جاء في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه جعل لأهل الخلاف عليه  ما لسـائر المسـلمين ما لم يحـاربوه، ولم يبدأهم بالحرب حتّى يكونوا هم المبتدئين بالاعتداء ، فمن ذلك أنّه كان يخطب ذات مرّة بالكوفة فقام بعض الخوارج وأكثروا عليه بقولهم ( لا حكم إلاّ لله ) فقال : (كلمة حقّ يراد بها باطل ، لكم عندنا ثلاث خصال : لا نمنعكم مساجد الله ان تصلّوا فيها ، ولا نمنعكم الفيء ما كانت ايديكم مع أيدينا ، ولا نبدأكم بحربٍ حتى تبدؤونا به ).

   11 ـ واعلموا أنّ أكثر من يقاتلكم إنّما وقع في الشبهة بتضليل آخرين ، فلا تعينوا هؤلاء المضلّين بما يوجب قوّة الشبهة في أذهان الناس حتّى ينقلبوا أنصاراً لهم، بل ادرؤوها بحسن تصرّفكم ونصحكم واخذكم بالعدل والصفح في موضعه، وتجنب الظلم والإساءة والعدوان، فإنّ من درأ شبهة عن ذهن امرئ فكأنّه أحياه ، ومن أوقع امرئ في شبهة من غير عذر فكأنه قتله.

   ولقد كان من سيرة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) عنايتهم برفع الشبهة عمّن يقاتلهم، حتّى إذا لم تُرج الاستجابة منهم، معذرة منهم إلى الله، وتربيةً للأمة ورعايةً لعواقب الأمور، ودفعاً للضغائن لاسيّما من الأجيال اللاحقة، وقد جاء في بعض الحديث عن الصادق ( عليه السلام ) أنّ الامام عليّاً ( عليه السلام ) في يوم البصرة لما صلا الخيول قال لأصحابه : ( لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم ، فقام اليهم، فقال : يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جورة في الحكم؟  قالوا : لا ، قال : فحيفاً في قسم ؟ قالوا : لا . قال : فرغبة في دنيا أصبتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي ؟  قالوا : لا ، قال فاقمت  فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟ قالوا : لا ). وعلى مثل ذلك جرى الإمام الحسين ( عليه السلام ) في وقعة كربلاء، فكان معنيّاً بتوضيح الأمور ورفع الشبهات حتّى يحيا من حيّ عن بينّة ويهلك من هلك عن بيّنة، بل لا تجوز محاربة قوم في الإسلام أيّاً كانوا من دون إتمام الحجّة عليهم ورفع شبهة التعسّف والحيف بما أمكن من أذهانهم كما أكّدت على ذلك نصوص الكتاب والسنة .

   12 ـ ولا يظنّن أحدٌ أن في الجور علاجاً لما لا يتعالج بالعدل، فإنّ ذلك ينشأُ عن ملاحظة بعض الوقائع بنظرة عاجلة إليها من غير انتباه إلى عواقب الأمور ونتائجها في المدى المتوسط والبعيد، ولا إطّلاع على سنن الحياة وتاريخ الأمم ، حيث ينبّه ذلك على عظيم ما يخلفه الظلم من شحنٍ للنفوس ومشاعر العداء مما يهدّ المجتمع هدّاً، وقد ورد في الأثر: (أنّ من ضاق به العدل فإنّ الظلم به أضيق)، وفي أحداث التاريخ المعاصر عبرةٌ للمتأمل فيها ، حيث نهج بعض الحكّام ظلم الناس تثبيتاً لدعائم ملكهم، واضطهدوا مئات الآلاف من الناس ، فأتاهم الله سبحانه من حيث لم يحتسبوا حتّى كأنّهم أزالوا ملكهم بأيديهم .

   13 ـ ولئن كان في بعض التثبّت وضبط النفس وإتمام الحجّة ــ رعاية للموازين والقيم النبيلة ــ بعض الخسارة العاجلة أحياناً فإنّه أكثر بركة وأحمد عاقبة وأرجى نتاجاً، وفي سيرة الأئمة من آل البيت ( عليهم السلام ) أمثلة كثيرة من هذا المعنى، حتّى أنهم كانوا لا يبدؤون أهل حربهم بالقتال حتى يبدؤوا هم بالقتال وإن أصابوا بعض أصحابهم ، ففي الحديث أنه لما كان يوم الجمل وبرز الناس بعضهم لبعض نادى منادى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : (لا يبدأ أحدٌ منكم بقتالٍ حتّى آمركم) ، قال بعض أصحابه: فرموا فينا، فقلنا يا أمير المؤمنين: قد رُمينا ، فقال: (كفّوا) ، ثم رمونا فقتلوا منّا ، قلنا يا أمير المؤمنين : قد قتلونا، فقال : (احملوا على بركة الله)، وكذلك فعل الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء.

   14 ـ وكونوا لمن قِبَلكم من الناس حماة ناصحين حتى يأمنوا جانبكم ويعينوكم على عدوّكم ، بل أعينوا ضعفاءهم ما استطعتم، فإنّهم إخوانكم وأهاليكم، واشفقوا عليهم فيما تشفقون في مثله على ذويكم، واعلموا أنّكم بعين الله سبحانه، يحصي أفعالكم ويعلم نياتكم ويختبر احوالكم.

   15 ـ ولا يفوتنكم الاهتمام بصلواتكم المفروضة، فما وفد امرئٌ على الله سبحانه بعمل يكون خيراً من الصلاة، وإنّ الصلاة لهي الأدب الذي يتأدّب الانسان مع خالقه والتحية التي يؤديها تجاهه، وهي دعامة الدين ومناط قبول الأعمال، وقد خففها الله سبحانه بحسب مقتضيات الخوف والقتال، حتى قد يكتفى في حال الانشغال في طول الوقت بالقتال بالتكـبيرة عن كل ركـعة ولو لم يكن المرء مسـتقبلاً للقبلة كما قال عزّ من قائل : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ، فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون ).

    على أنه سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم ولا يجتمعوا للصلاة جميعاً بل يتناوبوا فيها حيطةً لهم. وقد ورد في سيرة أمير المؤمنين وصيته بالصلاة لأصحابه، وفي الخبر المعتبر عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة: (يصلّي كل إنسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه وإن كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال ، فإنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صلى ليلة صفّين ـ وهي ليلة الهرير ـ لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء ـ عند وقت كل صلاة ـ إلاّ التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء، فكانت تلك صلاتهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة).

   16 ـ واستعينوا على أنفسكم بكثرة ذكر الله سبحانه وتلاوة كتابه واذكروا لقاءكم به ومنقلبكم اليه، كما كان عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد ورد انه بلغ من محافظته على وِرده أنه يُبسط له نطعٌ بين الصفين ليلة الهرير فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً  فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته.

   17 ـ واحرصوا أعانكم الله على أن تعملوا بخُلُق النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم) مع الآخرين في الحرب والسلم جميعاً، حتّى تكونوا للإسلام زيناً ولقيمه مَثَلاً ،فإنّ هذا الدين بُنِيَ على ضياء الفطرة وشهادة العقل ورجاحة الأخلاق ، ويكفي منبّهاً على ذلك أنه رفع راية التعقل والأخلاق الفاضلة، فهو يرتكز في أصوله على الدعوة إلى التأمل والتفكير في أبعاد هذه الحياة وآفاقها ثم الاعتبار بها والعمل بموجبها كما يرتكز في نظامه التشريعي على إثارة دفائن العقول وقواعد الفطرة ، قال الله تعالى: ( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها) وقال أمير المؤمنين (ع): ( فبعث ـ الله ـ فيهم رسله وواتر انبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّرهم منسيّ نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول)، ولو تفقّه أهل الإسلام وعملوا بتعاليمه لظهرت لهم البركات وعمّ ضياؤها في الآفاق، وإياكم والتشبّث ببعض ما تشابه من الاحداث والنصوص فإنّها لو ردّت إلى الذين يستنبطونه من أهل العلم ــ كما أمر الله سبحانه ــ لعلموا سبيلها ومغزاها.

   18 ـ وإيّاكم والتسرّع في مواقع الحذر فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، فإنّ أكثر ما يراهن عليه عدوّكم هو استرسالكم في مواقع الحذر بغير تروٍّ واندفاعكم من غير تحوّط ومهنيّة، واهتموا بتنظيم صفوفكم والتنسيق بين خطواتكم ، ولا تتعجّلوا في خطوة ٍ قبل إنضاجها وإحكامها وتوفير ادواتها و مقتضياتها وضمان الثبات عليها والتمسك بنتائجها، قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا) ، وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَيُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) ، وكونوا أشدّاء فوق ما تجدونه من أعدائكم فإنكم أولى بالحق منهم ، وإن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون، اللهم إلا رجاءً مدخولاً وأماني كاذبة واوهاماً زائفة كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً ،حجبتهم الشبهات بظلمـائها وعميت بصائرهم بأوهامها .

   19 ـ هذا وينبغي لمن قِبَلكم من الناس ممّن يتترس بهم عدوّكم أن يكونوا ناصحين لحماتهم يقدّرون تضحياتهم ويبعدون الأذى عنهم ولا يثيرون الظنة بأنفسهم ، فإنّ الله سبحانه لم يجعل لأحد ٍ على آخر حقّاً إلاّ وجعل لذاك عليه حقّاً مثله ، فلكلّ ٍ مثل ما عليه بالمعروف.

   واعلموا أنكم لا تجدون أنصح من بعضكم لبعض إذا تصافيتم واجتمعتم فيما بينكم بالمعروف حتى وان اقتضى الصفح والتجاوز عن بعض الأخطاء بل الخطايا وإن كانت جليلة ، فمن ظّن غريباً أنصح له من أهله وعشيرته وأهل بلده ووالاه من دونهم فقد توهّم ، ومن جرّب من الأمور ما جُرّبت من قبل أوجبت له الندامة. وليعلم أن البادئ بالصفح له من الاجر مع أجر صفحه أجر كل ما يتبعه من صفح وخير وسداد، ولن يضيع ذلك عند الله سبحانه، بل يوفيه إيّاه عند الحاجة إليه في ظلمات البرزخ وعرصات القيامة. ومن أعان حامياً من حماة المسلمين أو خلفه في أهله وأعانه على أمر عائلته كان له من الأجر مثل أجر من جاهد.

   20 ـ وعلى الجميع أن يدعوا العصبيات الذميمة ويتمسّكوا بمكارم الأخلاق، فإنّ الله جعل الناس أقواماً وشعوباً ليتعارفوا ويتبادلوا المنافع ويكون بعضهم عوناً للبعض الآخر , فلا تغلبنّكم الأفكار الضيقة والانانيات الشخصيّة، وقد علمتم ما حلّ بكم وبعامّة المسلمين في سائر بلادهم حتّى أصبحت طاقاتهم وقواهم وأموالهم وثرواتهم تُهدر في ضرب بعضهم لبعض، بدلاً من استثمارها في مجال تطوير العلوم واستنماء النعم وصلاح أحوال الناس. فاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة، أمّا وقد وقعت الفتنة فحاولوا إطفاءها وتجنّبوا إذكاءها واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، واعلموا أنّ الله إن يعلم  في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم، إنّ الله على كلّ شيء ٍ قدير .

صدر في الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر عام 1436 هـ

 

([1])لبد : أقام ، أي إن أقاموا فأقيموا .

([2])اي سوارها .

([3])اي قرطها .


المصدر

http://www.sistani.org/arabic/archive/25034/


الجمعة، 9 يناير، 2015

ولد الهدى فالكائنات ضياء - للشاعر القدير أحمد شوقي


وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ
وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ
وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ
وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ
وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ
نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
في اللَوحِ وَاِسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ
اِسمُ الجَلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ
أَلِفٌ هُنالِكَ وَاِسمُ طَهَ الباءُ
يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَيتُ النَبِيّينَ الَّذي لا يَلتَقي
إِلّا الحَنائِفُ فيهِ وَالحُنَفاءُ
خَيرُ الأُبُوَّةِ حازَهُم لَكَ آدَمٌ
دونَ الأَنامِ وَأَحرَزَت حَوّاءُ
هُم أَدرَكوا عِزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت
فيها إِلَيكَ العِزَّةُ القَعساءُ
خُلِقَت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها
إِنَّ العَظائِمَ كُفؤُها العُظَماءُ
بِكَ بَشَّرَ اللَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت
وَتَضَوَّعَت مِسكاً بِكَ الغَبراءُ
وَبَدا مُحَيّاكَ الَّذي قَسَماتُهُ
حَقٌّ وَغُرَّتُهُ هُدىً وَحَياءُ
وَعَلَيهِ مِن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ
وَمِنَ الخَليلِ وَهَديِهِ سيماءُ
أَثنى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ
وَتَهَلَّلَت وَاِهتَزَّتِ العَذراءُ
يَومٌ يَتيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ
وَمَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضّاءُ
الحَقُّ عالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ
في المُلكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ
ذُعِرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت
وَعَلَت عَلى تيجانِهِم أَصداءُ
وَالنارُ خاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُم
خَمَدَت ذَوائِبُها وَغاضَ الماءُ
وَالآيُ تَترى وَالخَوارِقُ جَمَّةٌ
جِبريلُ رَوّاحٌ بِها غَدّاءُ
نِعمَ اليَتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ
وَاليُتمُ رِزقٌ بَعضُهُ وَذَكاءُ
في المَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ
وَبِقَصدِهِ تُستَدفَعُ البَأساءُ
بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم
يَعرِفهُ أَهلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ
يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا
مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ
لَو لَم تُقِم ديناً لَقامَت وَحدَها
ديناً تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ
زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
يُغرى بِهِنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ
أَمّا الجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ
وَمَلاحَةُ الصِدّيقِ مِنكَ أَياءُ
وَالحُسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ
ما أوتِيَ القُوّادُ وَالزُعَماءُ
فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأَنواءُ
وَإِذا عَفَوتَ فَقادِراً وَمُقَدَّراً
لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ
وَإِذا غَضِبتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ
في الحَقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِهِ
وَرِضى الكَثيرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ
وَإِذا خَطَبتَ فَلِلمَنابِرِ هِزَّةٌ
تَعرو النَدِيَّ وَلِلقُلوبِ بُكاءُ
وَإِذا قَضَيتَ فَلا اِرتِيابَ كَأَنَّما
جاءَ الخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ
وَإِذا حَمَيتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو
أَنَّ القَياصِرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ
وَإِذا أَجَرتَ فَأَنتَ بَيتُ اللَهِ لَم
يَدخُل عَلَيهِ المُستَجيرَ عَداءُ
وَإِذا مَلَكتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها
وَلَوَ اَنَّ ما مَلَكَت يَداكَ الشاءُ
وَإِذا بَنَيتَ فَخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً
وَإِذا اِبتَنَيتَ فَدونَكَ الآباءُ
وَإِذا صَحِبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً
في بُردِكَ الأَصحابُ وَالخُلَطاءُ
وَإِذا أَخَذتَ العَهدَ أَو أَعطَيتَهُ
فَجَميعُ عَهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ
وَإِذا مَشَيتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ
وَإِذا جَرَيتَ فَإِنَّكَ النَكباءُ
وَتَمُدُّ حِلمَكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً
حَتّى يَضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ
في كُلِّ نَفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ
وَلِكُلِّ نَفسٍ في نَداكَ رَجاءُ
وَالرَأيُ لَم يُنضَ المُهَنَّدُ دونَهُ
كَالسَيفِ لَم تَضرِب بِهِ الآراءُ
يأَيُّها الأُمِيُّ حَسبُكَ رُتبَةً
في العِلمِ أَن دانَت بِكَ العُلَماءُ
الذِكرُ آيَةُ رَبِّكَ الكُبرى الَّتي
فيها لِباغي المُعجِزاتِ غَناءُ
صَدرُ البَيانِ لَهُ إِذا اِلتَقَتِ اللُغى
وَتَقَدَّمَ البُلَغاءُ وَالفُصَحاءُ
نُسِخَت بِهِ التَوراةُ وَهيَ وَضيئَةٌ
وَتَخَلَّفَ الإِنجيلُ وَهوَ ذُكاءُ
لَمّا تَمَشّى في الحِجازِ حَكيمُهُ
فُضَّت عُكاظُ بِهِ وَقامَ حِراءُ
أَزرى بِمَنطِقِ أَهلِهِ وَبَيانِهِم
وَحيٌ يُقَصِّرُ دونَهُ البُلَغاءُ
حَسَدوا فَقالوا شاعِرٌ أَو ساحِرٌ
وَمِنَ الحَسودِ يَكونُ الاِستِهزاءُ
قَد نالَ بِالهادي الكَريمِ وَبِالهُدى
ما لَم تَنَل مِن سُؤدُدٍ سيناءُ
أَمسى كَأَنَّكَ مِن جَلالِكَ أُمَّةٌ
وَكَأَنَّهُ مِن أُنسِهِ بَيداءُ
يوحى إِلَيكَ الفَوزُ في ظُلُماتِهِ
مُتَتابِعاً تُجلى بِهِ الظَلماءُ
دينٌ يُشَيَّدُ آيَةً في آيَةٍ
لَبِناتُهُ السوراتُ وَالأَدواءُ
الحَقُّ فيهِ هُوَ الأَساسُ وَكَيفَ لا
وَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ البَنّاءُ
أَمّا حَديثُكَ في العُقولِ فَمَشرَعٌ
وَالعِلمُ وَالحِكَمُ الغَوالي الماءُ
هُوَ صِبغَةُ الفُرقانِ نَفحَةُ قُدسِهِ
وَالسينُ مِن سَوراتِهِ وَالراءُ
جَرَتِ الفَصاحَةُ مِن يَنابيعَ النُهى
مِن دَوحِهِ وَتَفَجَّرَ الإِنشاءُ
في بَحرِهِ لِلسابِحينَ بِهِ عَلى
أَدَبِ الحَياةِ وَعِلمِها إِرساءُ
أَتَتِ الدُهورُ عَلى سُلافَتِهِ وَلَم
تَفنَ السُلافُ وَلا سَلا النُدَماءُ
بِكَ يا اِبنَ عَبدِ اللَهِ قامَت سَمحَةٌ
بِالحَقِّ مِن مَلَلِ الهُدى غَرّاءُ
بُنِيَت عَلى التَوحيدِ وَهيَ حَقيقَةٌ
نادى بِها سُقراطُ وَالقُدَماءُ
وَجَدَ الزُعافَ مِنَ السُمومِ لِأَجلِها
كَالشَهدِ ثُمَّ تَتابَعَ الشُهَداءُ
وَمَشى عَلى وَجهِ الزَمانِ بِنورِها
كُهّانُ وادي النيلِ وَالعُرَفاءُ
إيزيسُ ذاتُ المُلكِ حينَ تَوَحَّدَت
أَخَذَت قِوامَ أُمورِها الأَشياءُ
لَمّا دَعَوتَ الناسَ لَبّى عاقِلٌ
وَأَصَمَّ مِنكَ الجاهِلينَ نِداءُ
أَبَوا الخُروجَ إِلَيكَ مِن أَوهامِهِم
وَالناسُ في أَوهامِهِم سُجَناءُ
وَمِنَ العُقولِ جَداوِلٌ وَجَلامِدٌ
وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ
داءُ الجَماعَةِ مِن أَرِسطاليسَ لَم
يوصَف لَهُ حَتّى أَتَيتَ دَواءُ
فَرَسَمتَ بَعدَكَ لِلعِبادِ حُكومَةً
لا سوقَةٌ فيها وَلا أُمَراءُ
اللَهُ فَوقَ الخَلقِ فيها وَحدَهُ
وَالناسُ تَحتَ لِوائِها أَكفاءُ
وَالدينُ يُسرٌ وَالخِلافَةُ بَيعَةٌ
وَالأَمرُ شورى وَالحُقوقُ قَضاءُ
الإِشتِراكِيّونَ أَنتَ إِمامُهُم
لَولا دَعاوى القَومِ وَالغُلَواءُ
داوَيتَ مُتَّئِداً وَداوَوا ظَفرَةً
وَأَخَفُّ مِن بَعضِ الدَواءِ الداءُ
الحَربُ في حَقٍّ لَدَيكَ شَريعَةٌ
وَمِنَ السُمومِ الناقِعاتِ دَواءُ
وَالبِرُّ عِندَكَ ذِمَّةٌ وَفَريضَةٌ
لا مِنَّةٌ مَمنونَةٌ وَجَباءُ
جاءَت فَوَحَّدَتِ الزَكاةُ سَبيلَهُ
حَتّى اِلتَقى الكُرَماءُ وَالبُخَلاءُ
أَنصَفَت أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى
فَالكُلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ
فَلَوَ اَنَّ إِنساناً تَخَيَّرَ مِلَّةً
ما اِختارَ إِلّا دينَكَ الفُقَراءُ
يأَيُّها المُسرى بِهِ شَرَفاً إِلى
ما لا تَنالُ الشَمسُ وَالجَوزاءُ
يَتَساءَلونَ وَأَنتَ أَطهَرُ هَيكَلٍ
بِالروحِ أَم بِالهَيكَلِ الإِسراءُ
بِهِما سَمَوتَ مُطَهَّرَينِ كِلاهُما
نورٌ وَرَيحانِيَّةٌ وَبَهاءُ
فَضلٌ عَلَيكَ لِذي الجَلالِ وَمِنَّةٌ
وَاللَهُ يَفعَلُ ما يَرى وَيَشاءُ
تَغشى الغُيوبَ مِنَ العَوالِمِ كُلَّما
طُوِيَت سَماءٌ قُلِّدَتكَ سَماءُ
في كُلِّ مِنطَقَةٍ حَواشي نورُها
نونٌ وَأَنتَ النُقطَةُ الزَهراءُ
أَنتَ الجَمالُ بِها وَأَنتَ المُجتَلى
وَالكَفُّ وَالمِرآةُ وَالحَسناءُ
اللَهُ هَيَّأَ مِن حَظيرَةِ قُدسِهِ
نَزُلاً لِذاتِكَ لَم يَجُزهُ عَلاءُ
العَرشُ تَحتَكَ سُدَّةً وَقَوائِماً
وَمَناكِبُ الروحِ الأَمينِ وِطاءُ
وَالرُسلُ دونَ العَرشِ لَم يُؤذَن لَهُم
حاشا لِغَيرِكَ مَوعِدٌ وَلِقاءُ
الخَيلُ تَأبى غَيرَ أَحمَدَ حامِياً
وَبِها إِذا ذُكِرَ اِسمُهُ خُيَلاءُ
شَيخُ الفَوارِسِ يَعلَمونَ مَكانَهُ
إِن هَيَّجَت آسادَها الهَيجاءُ
وَإِذا تَصَدّى لِلظُبى فَمُهَنَّدٌ
أَو لِلرِماحِ فَصَعدَةٌ سَمراءُ
وَإِذا رَمى عَن قَوسِهِ فَيَمينُهُ
قَدَرٌ وَما تُرمى اليَمينُ قَضاءُ
مِن كُلِّ داعي الحَقِّ هِمَّةُ سَيفِهِ
فَلِسَيفِهِ في الراسِياتِ مَضاءُ
ساقي الجَريحِ وَمُطعِمُ الأَسرى وَمَن
أَمِنَت سَنابِكَ خَيلِهِ الأَشلاءُ
إِنَّ الشَجاعَةَ في الرِجالِ غَلاظَةٌ
ما لَم تَزِنها رَأفَةٌ وَسَخاءُ
وَالحَربُ مِن شَرَفِ الشُعوبِ فَإِن بَغَوا
فَالمَجدُ مِمّا يَدَّعونَ بَراءُ
وَالحَربُ يَبعَثُها القَوِيُّ تَجَبُّراً
وَيَنوءُ تَحتَ بَلائِها الضُعَفاءُ
كَم مِن غُزاةٍ لِلرَسولِ كَريمَةٍ
فيها رِضىً لِلحَقِّ أَو إِعلاءُ
كانَت لِجُندِ اللَهِ فيها شِدَّةٌ
في إِثرِها لِلعالَمينَ رَخاءُ
ضَرَبوا الضَلالَةَ ضَربَةٌ ذَهَبَت بِها
فَعَلى الجَهالَةِ وَالضَلالِ عَفاءُ
دَعَموا عَلى الحَربِ السَلامَ وَطالَما
حَقَنَت دِماءً في الزَمانِ دِماءُ
الحَقُّ عِرضُ اللَهِ كلُّ أَبِيَّةٍ
بَينَ النُفوسِ حِمىً لَهُ وَوِقارُ
هَل كانَ حَولَ مُحَمَّدٍ مِن قَومِهِ
إِلا صَبِيٌّ واحِدٌ وَنِساءُ
فَدَعا فَلَبّى في القَبائِلِ عُصبَةٌ
مُستَضعَفونَ قَلائِلٌ أَنضاءُ
رَدّوا بِبَأسِ العَزمِ عَنهُ مِنَ الأَذى
ما لا تَرُدُّ الصَخرَةُ الصَمّاءُ
وَالحَقُّ وَالإيمانُ إِن صُبّا عَلى
بُردٍ فَفيهِ كَتيبَةٌ خَرساءُ
نَسَفوا بِناءَ الشِركِ فَهوَ خَرائِبٌ
وَاِستَأصَلوا الأَصنامَ فَهيَ هَباءُ
يَمشونَ تُغضي الأَرضُ مِنهُم هَيبَةً
وَبِهِم حِيالَ نَعيمِها إِغضاءُ
حَتّى إِذا فُتِحَت لَهُم أَطرافُها
لَم يُطغِهِم تَرَفٌ وَلا نَعماءُ
يا مَن لَهُ عِزُّ الشَفاعَةِ وَحدَهُ
وَهوَ المُنَزَّهُ ما لَهُ شُفَعاءُ
عَرشُ القِيامَةِ أَنتَ تَحتَ لِوائِهِ
وَالحَوضُ أَنتَ حِيالَهُ السَقاءُ
تَروي وَتَسقي الصالِحينَ ثَوابَهُم
وَالصالِحاتُ ذَخائِرٌ وَجَزاءُ
أَلِمِثلِ هَذا ذُقتَ في الدُنيا الطَوى
وَاِنشَقَّ مِن خَلَقٍ عَلَيكَ رِداءُ
لي في مَديحِكَ يا رَسولُ عَرائِسٌ
تُيِّمنَ فيكَ وَشاقَهُنَّ جَلاءُ
هُنَّ الحِسانُ فَإِن قَبِلتَ تَكَرُّماً
فَمُهورُهُنَّ شَفاعَةٌ حَسناءُ
أَنتَ الَّذي نَظَمَ البَرِيَّةَ دينُهُ
ماذا يَقولُ وَيَنظُمُ الشُعَراءُ
المُصلِحونَ أَصابِعٌ جُمِعَت يَداً
هِيَ أَنتَ بَل أَنتَ اليَدُ البَيضاءُ
ما جِئتُ بابَكَ مادِحاً بَل داعِياً
وَمِنَ المَديحِ تَضَرُّعٌ وَدُعاءُ
أَدعوكَ عَن قَومي الضِعافِ لِأَزمَةٍ
في مِثلِها يُلقى عَلَيكَ رَجاءُ
أَدرى رَسولُ اللَهِ أَنَّ نُفوسَهُم
رَكِبَت هَواها وَالقُلوبُ هَواءُ
مُتَفَكِّكونَ فَما تَضُمُّ نُفوسَهُم
ثِقَةٌ وَلا جَمَعَ القُلوبَ صَفاءُ
رَقَدوا وَغَرَّهُمُ نَعيمٌ باطِلٌ
وَنَعيمُ قَومٍ في القُيودِ بَلاءُ
ظَلَموا شَريعَتَكَ الَّتي نِلنا بِها
ما لَم يَنَل في رومَةَ الفُقَهاءُ
مَشَتِ الحَضارَةُ في سَناها وَاِهتَدى
في الدينِ وَالدُنيا بِها السُعَداءُ
صَلّى عَلَيكَ اللَهُ ما صَحِبَ الدُجى
حادٍ وَحَنَّت بِالفَلا وَجناءُ
وَاِستَقبَلَ الرِضوانَ في غُرُفاتِهِم
بِجِنانِ عَدنٍ آلُكَ السُمَحاءُ
خَيرُ الوَسائِلِ مَن يَقَع مِنهُم عَلى
سَبَبٍ إِلَيكَ فَحَسبِيَ الزَهراءُ